هل اقترب العالم من نظام جديد؟

التفكير الصفري هل اقتربنا من نظام عالمي جديد 1673599063464 highres

وكالات : مانقو نيوز

في عام 1945، كان الاقتصاد العالمي يسير وفق مجموعة من القواعد والأعراف أقرتها الولايات المتحدة، والتي أدت إلى تكامل اقتصادي غير مسبوق عزز النمو وانتشل مئات الملايين من براثن الفقر وساعد الغرب في الانتصار على الاتحاد السوفيتي خلال الحرب البارة، لكن يبدو أن هذا النظام أصبح اليوم في خطر، بحسب تقرير لمجلة “ذا إيكونوميست“.

التقرير أشار إلى أن دول العالم في الوقت الراهن تتسابق على دعم وتعزيز الصناعات الوطنية بعيدا عن الأصدقاء والأعداء على حدا سواء، وذلك بالتزامن مع تقييد تصدير السلع والمواد الأولية ورؤوس الأموال، حيث أن ذلك يؤكد انتهاء المنفعة المتبادلة ويعطي الأولوية للمكاسب الوطنية، مما يفتح الباب أمام التساؤل الأهم، هل دخل العالم للتو عصر التفكير الصفري؟

والتفكير الصفري، أو “التحيز الصفري” هو تحيز معرفي يستخدم لوصف اعتقاد الشخص أن المكسب لا يتحقق إلا من خلال خسارة الأخرين، بمعنى آخر، خسارة شخص ما هي مكسب لشخص آخر، وهذا على عكس قاعدة “يربح الجميع” المعروفة بالإنجليزية بـ”Win to win”.

التخلي عن السيطرة

اعتبرت المجلة أن النظام الاقتصادي القديم كان تحت السيطرة الأميركية، قبل أن يتضاءل اهتمام أميركا بالحفاظ على هذه السيطرة بعد الأزمة المالية العالمية في 2007-2009، لتشير إلى أنه في الوقت الراهن تخلى الرئيس الأميركي جو بايدن عن قواعد السوق الحرة من أجل سياسة صناعية أكثر عدوانية لتوجيه ضربات جديدة ومباشرة للصين.

وأطلقت الولايات المتحدة العنان خلال الأشهر الماضية لتوجيه دعم حكومي ضخم يصل إلى نحو 465 مليار دولار للاستثمار في الطاقة الخضراء والسيارات الكهربائية وأشباه الموصلات، والتي أتت مصحوبة بمطالب رئيسية لدعم الإنتاج في السوق المحلي.

وبحسب التقرير فإن البيروقراطيين الأميركيين الذين يشرفون على الاستثمارات الجديدة لمنع التأثير الأجنبي غير المبرر على الاقتصاد الآن، هم أنفسهم من يسيطرون على القطاعات التي تشكل 60% من سوق الأوراق المالية، مشيرا إلى أن أميركا في نفس الاتجاه عملت على حظر المزيد من الصادرات إلى الصين لا سيما من الرقائق المتطورة ومعدات صناعة الرقائق.

الحظر والتحكم

بالنسبة للكثيرين في واشنطن، تتمتع السياسة الصناعية القوية بجاذبية كبيرة، إذ يمكن أن تساعد في دعم وتعزيز الهيمنة التكنولوجية لأميركا على الصين، التي سعت منذ فترة طويلة إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في المجالات الحيوية من خلال تدخل الدولة.

وبحسب “ذا إيكونوميست”، فإن خطط العالم حول إزالة الكربون من أجل تغير المناخ، لا تمثل أي قيمة أمام السياسيين، في إشارة إلى تخلي الولايات المتحدة عن تعهداتها للحد من تغير المناخ من أجل دعم الصناعة الوطنية، قائلة في تقريرها: “هناك أملا في أن ينجح التدخل الحكومي، حيث فشل القطاع الخاص، في إعادة تعزيز معاقل أميركا الصناعية”.

وأشار التقرير إلى اتجاه الهند نحو إنشاء مصنع للرقائق الإلكترونية ستتكفل الحكومة بنصف تكاليفه، فيما تقدم كوريا الجنوبية إعفاءات ضريبية سخية للمصنعين، وذلك مع تبني 7 اقتصادات أخرى سياسات واضحة للقطاعات الاستراتيجية منذ عام 2020، وكلها تُطابق الخطط الأميركية للإنفاق.

واعتبرت المجلة أن “العالم يشهد حالية دوامة خطيرة من الحمائية”، إذ إن ما يقرب من ثلث الصفقات التجارية العابرة للحدود التي لفتت انتباه المسؤولين الأوروبيين شهدت تدقيقا تفصيليا، فيما تتطلع البلدان التي لديها المواد الخام اللازمة لصنع بطاريات السيارات الكهربائية إلى وضع ضوابط تصديرية، حيث حظرت إندونيسيا صادرات النيكل، بينما تعمل الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي للتعاون على غرار منظمة “الأوبك”، فيما يتعلق بإنتاج “الليثيوم” الذي يدخل في صناعة بطاريات سيارات المستقبل “الكهربائية”.

صراع حتمي

إلى ذلك، يشير التقرير إلى أن الصراع الاقتصادي بين أميركا والصين أصبح حتميا بشكل متزايد، حيث مع اندماج الصين بشكل أعمق في الاقتصاد العالمي في مطلع هذا القرن، توقع الكثير في الغرب أنها ستصبح أكثر ديمقراطية، لكن هذا الأمل تلاشي مع هجرة مليون فرصة عمل صناعية إلى المصانع الصينية، والذي بدوره أيضا “جعل أميركا تتخلى عن حب العولمة”.

واليوم، إدارة الرئيس بايدن قلقة بشكل كبير من خطر اعتماد الولايات المتحدة على الصين للحصول على بطاريات الليثيوم، وهي الطريقة ذاتها التي اعتمدت بها أوروبا على روسيا في الغاز الطبيعي قبل اندلاع الحرب.

كما يشعر الديموقراطيون والجمهوريون على حد سواء بالقلق من أن فقدان الريادة الأميركية في صناعة الرقائق المتقدمة لصالح تايوان سوف يقوض قدرتها على تطوير الذكاء الاصطناعي، الذي ستعتمد عليه جيوش المستقبل.

في المقابل، يريد بعض الأميركيين منع الصين من أن تصبح غنية جدا كما لو كان إفقار 1.4 مليار شخص إما أخلاقيا أو من المحتمل أن يضمن السلام، حيث يركزون بشكل أكثر على زيادة مرونة أميركا الاقتصادية والحفاظ على تفوقها العسكري.

غضب الحلفاء

التقرير اعتبر هذا التفكير الأميركي تجاه الصين بالمضلل، قائلا: “إذا تم اعتبار سياسات التفكير الصفري ناجحة، فإن التخلي عنها سيصبح أكثر صعوبة. في الواقع، حتى لو قاموا بإعادة تشكيل الصناعة الأميركية، فمن المرجح أن يتسبب تأثيرهم العام في إحداث ضرر كبير يؤثر على الأمن العالمي ويعيق النمو ويرفع تكلفة التحول الأخضر”.

ويضيف هناك مشكلة أخرى تكمن في غضب الأصدقاء وحلفاء أميركا، حيث كانت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية عبقرية للدرجة التي تدرك فيها أن مصالحها تكمن في دعم الانفتاح في التجارة العالمية، ونتيجة لذلك، سعت إلى العولمة على الرغم من أنها شكلت بحلول عام 1960 ما يقرب من 40% من إجمالي الناتج المحلي العالمي.

وفق المجلة “أميركا بحاجة إلى أصدقاء أكثر من أي وقت مضى. لن ينجح اتجاهها لحظرها الصادرات عن شركات صناعة الرقائق الصينية إلا إذا رفضت الشركة الهولندية ASML وشركة طوكيو إلكترون اليابانية تزويدهما بالمعدات. وبالمثل، ستكون سلاسل إمداد بطاريات الليثيوم أكثر أمانا إذا عمل العالم الديمقراطي ككتلة واحدة”.. ومع ذلك، فإن السياسات الأميركية تثير غضب الحلفاء في أوروبا وآسيا.

إنقاذ النظام

ذكر التقرير أن أميركا عليها استمالة القوى الناشئة، فبحلول عام 2050 ستكون الهند وإندونيسيا ثالث ورابع أكبر اقتصادين في العالم، وعلى الرغم من أن كليهما أنظمة ديموقراطية لكنهما ليس أصدقاء مقربون لأميركا، وبحلول عام 2075، ستكون نيجيريا وباكستان قد اكتسبتا نفوذا اقتصاديا أيضا، وفي حال إذا طلبت أميركا هذه الدول بتجميد التعاون مع الصين دون توفير وصول كاف إلى أسواقها الخاصة، فسوف ترفض هذا الطلب.

وتشير المجلة إلى أن مصدر القلق الأخير في أنه كلما زاد انتشار الصراع الاقتصادي، زادت صعوبة حل المشكلات التي تتطلب تعاونا عالميا، فعلى الرغم من التسابق لتأمين التكنولوجيا الخضراء، تتسابق البلدان لمساعدة العالم الفقير على إزالة تأثيرات الكربون، وفي حال لم تستطع البلدان التعاون لمعالجة بعض المشاكل، فسيصبح من المستحيل إصلاحها وسيعاني العالم.

“لا أحد يتوقع أن تعود أميركا إلى التسعينيات. من الصواب أن تسعى للحفاظ على تفوقها العسكري وتجنب الاعتماد الخطير على الصين للحصول على مدخلات اقتصادية مهمة. لكن مع ذلك، يجب أن يكون التكامل العالمي أكثر أهمية. يجب أن تسعى إلى أعمق تعاون ممكن بين الدول. فمثلا على أميركا أن تنضم إلى الاتفاقية الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادئ، وهي اتفاقية تجارية آسيوية تستند إلى صفقة سابقة ساعدت في كتابتها لكنها تخلت عنها بعد ذلك”، حسبما جاء في التقرير.

واختتمت”ذي إيكونوميست” تقريرها بالقول: “قد يبدو إنقاذ العولمة مستحيلا، بالنظر إلى التحول الحمائية في السياسة الأميركية. لكن هناك دلائل على أن إدارة بايدن تستجيب لمخاوف الحلفاء بشأن دعمها. ومع ذلك، فإن إنقاذ النظام العالمي سيتطلب قيادة أميركية أكثر جرأة ترفض مرة أخرى الوعود الزائف الخاصة بالتفكير الصفري، خصوصا أنه “لا يزال هناك متسع من الوقت لحدوث ذلك قبل أن ينهار النظام تماما، ويلحق الضرر بسبل العيش ويعرض الديمقراطية الليبرالية ورأسمالية الاقتصاد للخطر، المهمة ضخمة وعاجلة”.

mango whatsapp mango whatsapp

السابق

آخر المستجدات بشأن توجه المنتخب المغربي إلى الجزائر

السابق

هذه الأدوية تعطي نتيجة إيجابية لتحليل المخدرات

أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.